الجمعة، 18 نوفمبر، 2011

ذكريات كاد ان يطويها ... الزمن !!


                    

كان في الثامنة عشر من عمره وكان يقيم  في   مدينة اربحا الفلسطينية  عام 1967 وكان  في السنة النهائية من المدرسة عندما اتفق مع صديق له كان اهله يملكون بيتا ريفيا جميلا في القدس   في - منطقة قلندية - ان يدرسا معا لامتحانات  التوجيهي -الدراسة الثانوية-  وكانا يقدما الامتحانات في مدرسة في مدينة رام الله القريبة  ، وكانا يذهبا كل يوم الى قاعة الامتحانات يعتريهما الامل والسعادة لانهم  انتهوا من المدرسة ويجب انيحضروا انفسهم الى دخول الجامعة ، وكلهم طموح وامل بمستقبل مشرق ، هكذا كان شعوره في ذلك اليوم . 

في قاعة الامتحان  وبينما كان منهمكا في الاجابة  وكان قد بقي عليهم امتحانين  فقط ثم يودعوا المرحلة الى الابد  ولكن يبدوانهم كانوامخطئين ، ظهر مراقب القاعة  بصورة مفاجئة  تبدو على وجهه ملامح  غريبة .

_ لن تكملوا الامتحانات  بعد الان  هذا اخر امتحان لكم  ,  قال ذلك بطريقة سريعة  كانه يريد ان يتخلص من حمل اثقل كاهله  وقد بدت علي ملامحه  الجدية المفرطة  فبدا مرتبكا  محبطا  او هكذا  بدا له على الاقل نظر الجميع  اليه    كالمشدوهين ,,

_ لقد اعلنت الحرب  ؟؟؟  اي حرب هذه اللتي يتحدث عنها   لقد احس كان قلبه قد وقع فجاة بين رجليه ما الذي يحدث  لايدري لما احس 

  بهذا الاحساس الغريب  ..  هل سنعود قريبا الى القدس   ؟  هل الامر بهذه البساطة ؟   ام هل نحن مقدمون على ماساة  جديدة ؟                          واخذت الخواطر والافكار تتخبط داخله  وتسمرت اصابعه  فلم يعد يستطيع  الكتابة  .



وخرجوا  من القاعة  لكل منهم همومه واماله فنظر حوله فوجد الجميع  يحاولون اختراق الزحام  كل يبحث له عن طريق وكان معظمهم في حالة ذهول وتوهان لا تعلم حقيقة مشاعرهم  .

- مالذي سنفعله الان ؟ سأل صديقه .

- سنذهب الى المنزل ونجمع اغراضنا  ونعود الى اهلنا حتى نحتفل بالنصر . قال ذلك بلهجة الواثق  وقد انفرجت اساريره  وبدا

الفرح واضحا على محياه . معقول ؟؟  لم يكن لديه هذا الاحساس لا يعلم سبب ذلك ولمن هذا ما كان يشعر به في تلك اللحظة .

وصلا البيت ثم بدءا البحث عن اي مواصلات للعودة الى الاهل في اريحا  وقد اخبروهم ان المواصلات مقطوعة وانهم لا يستطيعون 

الوصول الى القدس لان الطرق مغلقة  بسبب المعارك اللتي تجري هناك ، وكنت تلاحظ الدخان يتصاعد من القدس من مسافة بعيدة .

 - والان ؟ ماذا سنفعل  ؟ واخذ الهم يعتريهما  ولكنهما لايمكنهما  بكل تاكيد البقاء هنا  ولا بد من العودة باي طريقة  واخيرا استقر

الراي على العودة سيرا على الاقدام وهكذا كان ...

اختاروا  طريقا خارجية  بين الجبال  ظنا منهم   انها اقرب وحتى لا يواجهوا  اي متاعب  في الطريق . لا يبدو ان هناك اي مواجهات

 ان الجو لا  ينذر بوجود حرب حقيقية او هكذا كان يشعر صاحبنا  , ومضوا في المسيريقطعون واديا اويصعدون جبلا الى ان شارفت الشمس على المغيب واخذ التعب منهم كل مأخذ وكذلك الجوع والعطش 
 . ولم يصادفوا  في طريقهم سوى بعض الرعاة مع قطعانهم لا يبدو عليهم اي اهتمام  بما يجري  وكانهم في عالم اخر ، ولم تصل اخبار الحرب اليهم بعد ، فقد كانت وسائل الاتصال ضعيفة بل معدومة في تلك الحقبة من الزمن .
هل سمعوا الاخبار ؟ اشك بذلك .
وقد استقر الرأي على ان يبحثا عن مكان يستريحا فيه حتى الصباح ثم يعاودا المسير .
وقد راواعلى بعد  احد الخيام التي اقامها احد الحصادين او الرعاة .
- لنرى تلك الخيمة لا بد ان فيها احد فنطلب منهم شربة ماء ونقضي ليلتنا  ما رايك ؟
- حسنا , قال صديقه ذلك وقد بدا التعب واضحا على وجهه وعلى طريقة سيره  .وصلا الخيمة وكانت خيمة كبيرة واسعة
ووكان احد الرجال وكان في منتصف العمر  يجلس على كيس من الخيش وقد بدا  عليه التعب والاجهاد وكانه عائد من الحصيدة او ما شابه  نظر اليهم  دون اكتراث وكأنه عرف مقصدهم ولم يحرك ساكنا 
- السلام عليكم  يا عم  .
- وعليكم ... من اين انتم قادمون ؟؟ سال دون ان يتحرك ولم يظهر عليه اي اهتمام .
- من رام الله  ووجهتنا مدينة اريحا هل هي بعيدة من هنا ؟  هل يمكننا قضاء الليلة عندك  ؟ لم يجب بل نهض ثم دخل الى الخيمة ولم يغب كثيرا 
 عاد وهو يحمل اناءا من الفخار به ماء واعطاه  لهما فشربا.
- في الصباح تكملوا مشواركم . قال ما قال ثم اختفى  ولم يظهر بعدها ابدا .
افترش كيسا من الخيش كان بجانب الخيمة وجلس وكذلك فعل صاحبه، اخذت الافكار تتجاذبه   ما ذا حصل لم نسمع الاخبار ولا ندري ما حدث الا يوجد مذياع يبدوا ان اصحاب هذه الخيمة لم يعلموا بما حدث اليوم  ويبدوا انهم يعيشون خارج هذا العالم .
ولن نجد عندهم  ما يهمنا  وكان الليل قد ارخى سدوله
- ما رايك ؟ ماذا تتوقع الا زلت تعتقد اننا منتصرون ؟
- طبعا وهل لك راي اخر ؟
- ولكن  يا اخي هذه اسرائيل  ! هل تعتقد انها ستسمح لنا بالانتصار ؟ حتى ولو فلن يكون الامر كما تظنون  ثم اطرق وقد اخذت الافكار تدور في رأسه وقد تذكر اهله وماذا سيحدث لهم .
وفجاة سمع صوت احدهم قادم نحوهم  وكانوا يقبعون  في ظلام حالك  انه شاب صغير في الخامسة  او السادسة عشر من عمره  كما بدا له ،
وكان يحمل اناءا صغيرا يحوي بعض اللبن وناوله لهم  مع رغيف   من خبز الصاج  ثم لفه الظلام  اكل و صاحبه بعض الخبز وكان يابسا ثم توسد حجرا كان بالقرب منه واستغرق في التفكير .


                       ========================

  افاق بعد فترة لم يدري اكان نائما ام كان فاقدا فاقدا للاحساس بالزمن                       الذي كان يمر ببطء شديد وقد بدأت  اشعة الشمس تتسلل  بين الجبال الى اطراف الخيمة منذرة ببدء يوم اخر وكانها تقول لاصحاب الخيمة كفاكم نوما هيا الى العمل ، وفعلا فقد دبت الحياة في الخيمة وبدا ان هناك جلبة وحركة لم يلاحظاها  البارحة  استعدادا للخروج على ما يبدو ثم عاد الصمت من جديد .
ايقظ صاحبه الذي كان يغط في نوم عميق رغم كل شيء كيف  ينعم بكل هذه الطمأنينة  وكأنه ينام في سريره قرير العين  عجيب امره .
- ماذا حدث  ؟ اين نحن ؟  ثم نظر اليه هيا بنا يجب ان نرحل .
- نعم يجب ان نكمل مشوارنا ، 
ثم فجأة  ظهر امام الخيمة ظل كأنه لامرأة  وضعت صينية من القش قرب باب الخيمة ثم  اختفت ، سحب صاحبه الصينية وكان اقرب الى مدخل الخيمة وقال بعد ان قسم قطعة من رغيف الخبز وبدأ يعلكها بسرعة تنم عن جوع،
- كل شيأ لان مشوارنا طويل ، وقسم قطعة اخرى ثم نهض .
غادرا المكان دون ان يودعا ساكني الخيمة  لانهم لم يروا احدا منهم  ، وبدأ بالمسير  وقد ارتفعت الشمس وبدأت  تنشر لهيبها في المكان وكأنها  توقظ بقية النائمين او توقظ بقية  المخلوقات في  هذا المكان 
 ليبدؤا يومهم دون كلل ، ويبدو ان الشمس لم تسمع بما يجري على الارض من صراع بين بني البشر او يبدو انها لا يهمها كل  ما يجري  اصلا فهي تؤدي وظيفتها اليومية منذ الازل وستبقى  دون ملل او تذمر  وبدؤا مشوارهم  الى اريحا بين هذه الجبال .

                    ==========================

اخذوا يسيرون بسرعة  هذه المرة لعلهم يصلون  قبل الغروب ، وقبل انقضاء يوم اخر ، لقد بدأ يلاحظ اشياء لم يرها بالامس  ، لم يكن يعلم ان هذه الجبال التي لم يرها من قبل في حياته ، تخفي كل هذا الجمال  تلك السفوح المعشوشبة  رغم انقضاء فصل الربيع وكانه ابقاها فقط كي  يراها اليوم  ، كم هو جميل هذا التناسق العجيب في الالوان بين البني الضارب الى الحمرة والاخضر الذي بدى اللون الذهبي يطغى عليه  ويعطيه هذا السحر ، وبين اللون الفضي للصخور المتناثرة  تعكس اشعة الشمس فتكتسب بريقا اخاذا ، وكانت بعض السفوح مغطاة لا زالت بحقول الحنطة التي لم تنضج بعد ولم يحين حصادها رغم حرارة الشمس ، لاحظ  انواع  واشكال العصافير بالوانها الخلابة  وزقزقاتها المنسجمة مع المناظر المحيطة وكانها ترسم لوحة ابدعها الخالق  - سبحانه - ليقول هل لكم  من اله غيري ؟ نعم هذا يذكرنا دائما بوجود الخالق  الذي ابدع كل شيء  .  وكانوا يمرون على  بعض الفلاحين يحصدون حقول القمح  لاهين عما يجري يغنون اهازيجهم القروية  باصوات غلب عليها التعب والهم ربما من ما يجري  حولهم ، ويبدو انهم لاحظوا وجودهم  فكانوا يسلمون عليهم  ويدعونهم  ليشاركوهم عملهم  ، ويبدو  ان هؤلاء الناس لا يدرون بما يجري على بعد خطوات منهم  ، وكانوا يردون  عليهم التحية  وهم يغذون  السير تاركين وراءهم هموم هؤلاء الفلاحين البسطاء ،وكان يغبطهم في داخله على هذه الحياة البسيطة التي يعيشونها .
وبعد مدة  قصيرة ام طويلة  لا يهم رأى  من بعيد اشباح كأنها سيارات تسير على طريق مسفلت فالتفت الى صاحبه :
- يبدو اننا وصلنا يا صديقي ، ها هي السيارات امامنا الان .
- نعم ! نعم  لقد وصلنا  الان حان الوقت لنفترق يا صاحبي  .
نعم الان سيفترقا لان طريقهما اصبح مختلفا فصاحبه  سيذهب شمالا الى منطقة العوجا حيث تقيم عائلته ،  بينماسيسير هو  جنوبا  نحو مدينة اريحا ،حمد لله على كل حال .
ودع صاحبه ومضى وحيدايغذ السير وقد لاحت امامه بيارات ومزارع اريحا الجميلة وبيوتها الريفية بين اشجار البرتقال الريحاوي الذي تشم رائحتها من مسافات بعيدة ، لقد احب هذه المدينة وقضى فيها اجمل سني عمره وطفولته  لم  يكن يتصور ابدا ان كل هذا سيصبح حلما  بعد قليل .

                     ============================

واخيرا وصل الى وسط المدينة والتقى ببعض الاصدقاء فاخبروه   انه لا يوجد شيء هنا الحياة تسير بشكل طبيعي  وقد لاحظ ذلك فعلا فليس هنا اي مظاهر للحرب او القتال ، ولكن ذلك الشعور الذي انتابه بالامس لا زال يراوده دون انقطاع ان هناك امر جلل يحدث ولا احد يلاحظ ذلك ،  صوت المذياع في احد الحوانيت يهدر باغنية وطنية  طالما استمتعوا  بسماعها من قبل - صح يا رجال ؟ ايو صح ! للفنان فهد بلان - لم يشعر بطعم النصر الذي يتردد على لسان المطرب بل احس بالمرارة في حلقه تزيده جفافا  على الجفاف الذي يشعر به يريد شربة ماء ترطب جوفه الملتهب ، وكان الماء اكثر شيء يميز هذه المدينة الحالمة ابدا باهلها وحبهم  ، شرب حتى ارتوى ولكن الطعم المرلا يزال في  جوفه ، الناس يعيشون حياتهم كالعادة  ولا يبدو عليهم اي اكتراث وعاد المذياع ليبشر المواطنين بالنصر القريب وتحرير الارض ، وهاهو يردد بيانا عسكريا ان الجيش العربي البطل قد احتل جبل المكبر ، ولكن اين يقع جبل المكبر ، لمن لا يعرف القدس فان جبل المكبر لم يكن محتلا حتى يتم تحريره ، واذاع بيانا للجيش المصري يعلن عن خسائر فادحة للصهاينة وان النصر قريب ولا يوجد شيء من التفاصيل يعني مثلا اين وصلت الجيوش العربية ؟ اين يجري القتال  الان بالفعل ؟ 
وفي المقابل تسمع لاذاعة العدو الذي يتحدث بكل ثقة عن هزائم للجيوش العربية في كل المواقع وبالتفصيل  القدس الشرقية  اصبحت في ايدي الصهاينة ، الجيش المصري ينسحب من غزة والصهاينة  يستولون عليها دون قتال ، يارب السماوات والارض  من نصدق ؟ ورغم انه لا يريد ان يصدق ما يردده راديو العدو ولكنه كان يميل من حيث لايشعر الى ذلك لان الجانب الاخر لا يعطي تفسيرا مقنعا لما يحدث على الارض . وصل الى البيت فتح البوابة الخارجية المؤدية الى البيت ووجد باب البيت مغلقا لا يوجد احد يا الاهي اين ذهب الجميع واخذ ينادي باعلى صوته وكاننه يهذي اين انتم ؟  سمع صوتا ياتي من بعيد يقول نحن هنا فنظر فاذا اخته الصغيرة - في العاشرة من عمرها - تقول له لا تخف نحن هنا وكانت تحضن  اخويها الصغيرين  الذين  يبدو عليهما الخوف الشديد .
- اين امك وابيك  ؟ سأل بلهفة وكان يشعر بشيء غريب يحدث .
- امي في بيت لحم وابي ذهب الى العمل وسمير في المدرسة لم يعد بعد
- ولما انتم مختفون هكذا ؟ 
- نحن خائفون يقولون ان اليهود سيقتلوننا .
واخذت الافكار والخواطر تتلاعب به حتى انه لم يعد يستطيع التفكير واحتضن اخوته واخذ يطمئنهم ان لا يخافوا وان كل شيء سيكون على ما يرام ، ولكنه في قرارة نفسه كان خائفا اكثر منهم . وبعد فترة ليست قصيرة حضر والده  ، لاحظ عليه الارتباك  وراى في عينيه خوف بعيد دفين من سنين  رغم ان ابيه لا يحب ان يبوح بما في نفسه لاحد وهو معروف بالكتمان ، 
- الحمد لله على السلامة  كيف حضرت هل واجهت متاعب في الطريق ؟  امك لا زالت في بيت لحم لا ندري ماذا جرى لها ان شاء الله خير ، هل انت جائع سوف احضر لكم بعض الاكل  وخرج .

                    ============================

واخيرا بدأت الامور تتضح وبدأ  ماكان يخشاه  يتحقق  الهزيمة مرة اخرى لا حول ولا قوة الا بالله  ، وبدأ المذياع يذيع بيانات مقتضبة عما يحدث يزيد ما يخشاه وضوحا ، وتسمع خطابا لاحدهم يطالب جنوده   بالدفاع حتى اخر رجل عن المقدسات  وان يحاربوا باسنانهم  واظافرهم وان لا يستسلموا ابدا  . وفي صباح اليوم التالي بدأت جموع غفيرة من الناس تتدفق على الشارع العام    الواصل بين اريحا وعمان وقد اكتظ بألاف الناس الذين تركوا بيوتهم وهم يتوجهون الان الى عمان طلبا للامان ولكنا لا نرى جيوشا تطاردهم فما الذي يدفعهم الى الرحيل بهذه الكثافة انه لامر محير ، الاشاعات  ! نعم هي الاشاعات التي دفعت  هذه الجموع لترك بيوتها وقد حملت القليل  مضحين بكل ما يملكون من اجل سلامتهم وسلامة اطفالهم . 
وقد حاول بعد ذلك  دراسة هذه الظاهرة الغريبة في حياة الشعب الفلسطيني  علّه   يجد سببا منطقيا للسرعة التي يترك فيها الفلسطيني بيته وما يملك ولا ينظر الى الوراء ،  لقد خلص الى حقائق قد تكون غريبة بالفعل .
ان الفلسطيني- عموما - من اكثر الناس تمسكا بحقه واستبساله في الدفاع  عنه مهما كلفه ذلك ، وليس صحيحا انه لا ينتمي الى وطنه رغم البعد والشتات والهجرة ، وقد لمسنا هذا في التضحيات التي قدمها هذا الشعب اين ما حل من اجل شيء واحد اسمه فلسطين ، وقد خبرنا هذا ايضا في التمسك بحق العودة ورفض التوطين مهما كانت مسمياته.
على كل حال وقد استخلص  ايضا  ان ما دفع هذه الاف لمغادرة بيوتهم وممتلكاتهم في كلا الحالتين التي شهدتها الساحة الفلسطينية يرجع الى الجهل وقلة التعليم التي كانت سائدة في ذلك الوقت ، وكذلك الى عصور الكبت و الاستبداد الذي كان يحيط بالمواطن الفلسطيني خلال تلك الحقبة من الزمن، وهناك سبب اخر وهو ان من  يرحلون هذه المرة هم سكان المخيمات في معظمهم  وكانت اريحا تعج بالمخيمات ،  فلا يهم اين سيكون المخيم التالي ، اليس غريبا هذا المنطق ؟ 
وقد اخذت الجموع  في الزيادة حتى اكتظت  بهم  الشوارع والحارات واصبحوا بالالافوكان يحاول ثنيهم عن ذلك ما استطع وكان الجواب لمعظم من تمكن من الحديث معهم  انهم خائفون على بناتهم ونسائهم من اعتداءات  اليهود  ، وانهم لا يملكون شيئا اغلى من العرض ، الطابور الخامس  - كما كانوا يسمونه - لقد نجحوا مرة اخرى في اثارة الرعب بين صفوف هؤلاء المساكين ، ولقد رأى احدهم يحمل طفلة لا بزيد عمرها عن الخمس سنوات وقد هرب من بيت لحم ماشيا وعلمت منه انه ترك والديه العجوزين  خلفه وهرب بزوجته وطفلته خوفا عليهما . وكان مثله كثير ممن تراهم . هل للاشاعات كل هذا الثأثير ، انه لشيء عجيب .
وقد تبين له لاحقا ان شيئا من هذا لم يحدث  اذا من صاحب المصلحة الاولى في اطلاق هذه الاشاعة التي هجرت مئات الاف الفلسطينيين من بيوتهم ووطنهم  ؟ سابقا  ولاحقا ؟ لا بد ان هناك مستفيد من هذه المأساة غير بني صهيون .
والغريب انك كنت ترى سيارات الجيش الاردني  وجنوده وهم يسابقون الريح في الهرب وجنود يسيرون مع الناس بلباسهم العسكري  واخرون  استبدلوها باخرى ، والغريب اكثر انك لا ترى بالمقابل جيشا يطاردهم  ما يحدث عصي عن الفهم  و لا يمكن تفسيره  .
لقد اخذ يفكر في هذا الامر ولا بد ان هناك جهات لها المصلحة الاولى في احداث هذه الفوضى العارمة  ويبدو ان المؤامرة اكبر من الفلسطينيين ومصيرهم المجهول  وضياع وطنهم كله هذه المرة .
واقتربت الشمس من المغيب وكانت الجموع لا زالت تتدفق الى الشارع  المؤدي الى عمان . 


                    ==========================


عاد الى البيت ومشاعر الحزن والاسى تتجاذبه من كل صوب فوجد ابوه  ضائجا حانقا وكأن شيئا جللا قد حدث ولما سأله ما الذي حدث .
- ابو ابراهيم الشوفير ( كان سائقا يعمل مع ابيه في نفس الجمعية  )  سيغادر الى عمان بسيارته الكبيرة حاملا عائلته وانت ستاخذ اختك واخوتك وستغادر معه الى عمان . 
لقد وقع هذا الخبر على مسمعه كوقع الصاعقة ، ان يترك وطنه ويهاجر كما يفعل كل هؤلاء الذين ينتشرون بالشوارع ؟ يا الله !! هذا ما لا يمكنه فعله ابدا ، ان يترك وطنه بهذه البساطة ومن اجل ماذا ؟ مستحيل قال ذلك وباعلى صوته  وكانت هذه اول مرة يرفع فيها صوته امام والده  ، كان والده  - طويل بال - كما يقولون ولم يلحظ عليه انه غضب او القى بالا لما سمع  وكأنه يواسيه ويقدر ما هو فيه من الحزن 
غادر المكان لان لم يكن يريد ان يصطدم مع والده  الذيكان يحترمه ويحبه كثيرا ، لقد كانت علاقته بوالده   متميزة لم يشوبها ابدا اي سوء تفاهم من قبل ولم يسبق له  ان اختلف معه في اي امر ، ربما لانه لا زال صغيرا كما يحلو للوالدين في هذه الايام  ان يصفوا ابنائهم   لم يكونوا  قادرين على تحمل المسؤلية بعد ولذلك فهم يقررون نيابة عنهم ولا داعي حتى لاخذ رأيهم  في كثير من  الامور .
يا الهي ماذا علي ان افعل فانا لم اتعود على رفض طلب ابي  قال في نفسه  وقد بدا عليه الهم ،  وكان والده  عادة لا  يطلب الكثير من ابنائه ولم يكن  يثقل عليهم باوامره  فقد كان ابا رحيما خجولا  محبا يضحي بكل شيء من اجل سعادتهم  ونادرا ما كان يحصل بينهم  خلاف حول اي موضوع ، وهذه حقيقة لا لبس فيها .
 خرج الى الشارع ليبتعد من امامه وكان يأمل ان  لا  يعجل ابو ابراهيم في الرحيل  وان يخرج من هذا الموقف العصيب فلا يكون امام والده  سوى الاستسلام للامر ، وغاب عن الانظار وحاول الهروب الى ابعد مايستطيع  ولكن ابو ابراهيم لم يظهر بعد ولا يبدو عليه انه سيرحل ، وهنا حمد الله ، لعله قد غير رأيه  او ان خللا قد حصل للسيارة فجعله يتراجع عن قراره . هذا ما كان يحدث به نفسه وهو يسير في الشارع الموازي لبيتهم وعينه ابدا على الشارع الاخر الذي سيسلكه ابو ابراهيم ، وفي قرارة نفسه يتمنى ان لا يحضر .
ولكن شيئا من هذا لم يحدث . وفجأة راى والده يركض نحوه  وهو يلهث وقد بدا عليه التعب والهم وقد اختلطلا معا في داخله وبدأ بالبكاء    وقد اغرورقت عيونه بالدموع   وقال وكانه يتوسل اليه :
- ابو ابراهيم وصل وهو ينتظرك ، قال ذلك وهو يرجو ان لايرفض طلبه وهو يعلم مدى كرهه لهذا الامر ، اصطحب اخوته وركبوا السيارة وكانت مكتظة لدرجة انه لم يجد مكانا له سوى التعلق بالباب من الخارج طول الطريق الى عمان وهي مسافة تزيد على 70 كلم . وانطلقت السيارة بهم  تسابق الريح وكأن ابو ابراهيم يعلم انه سيكون اخر من يغادر الوطن ، وهذا ما حصل بالضبط فبعد دقائق معدودة وصلوا الى الجسر الذي يربط بين فلسطين والاردن على نهر الاردن - جسر اللنبي -  وبعد ان تجاوزا الجسر ببضع دقائق سمعوا صوت انفجار هائل اتبعه وميض ونار تصعد الى عنان السماء ، لقد فجر الاردنيون الجسر ليوقفوا زحف الجيش اليهودي الذي لم يكن موجودا اصلا ،  وليتم حبك اللعبة بشكل مقبول والحقيقة ان الجيش اليهودي لم يكن ليقطع الجسر الى الضفة الاخرى ويخل بالاتفاق بين الاطراف المتحاربة ! كما تبين لاحقا . 
نظر الى الخلف وقد اغرورقت عيناه بالدمع وهو يودع اخر بقعة احبها من هذا الوطن  الذي قضى فيه اياما لا تنسى  وهو يفارق اناس احبهم واحبوه  في المدرسة والجوار  ، وهل سيتمكن يوما من العودة ؟
الله وحده اعلم بما كان يجول في خاطره في تلك الحظة هل يلقي بنفسه من السيارة وهذا اسهل شيء يمكنه عمله وينتهي الامر ؟ وعندما هم بفعل ذلك وكان قد قرر ذلك فعلا لم يستطع واحس انه جبان وانه اضعف واجبن من ان يتخذ مثل هذا القرار الحاسم في حياته ، ثم اجهش بالبكاء ، وقد ايقظه من افكاره هذه سماعه صوت الانفجار الهائل الذي ادى الى تدمير الجسر .
                ============================


واخذ الليل يرخي سدوله وبدأ الظلام الدامس  يلف المكان بعبائته السوداء ولم يعد يرى سوى اضواء الشاحنة التي تشق خيطا دقيقا امامها ، وشعر بالبرد القارص يعض انحاء من جسمه واخذت دموعه تنهمر دون ان يدري أهي من البرد ام من الصدمة التي تعتريه بعد ما حصل اليوم وما كان يظن انه  سيشفى منها في وقت قريب واحس ان الزمن قد توقف ولم يعد يدري بشيء من حوله وخاصة مع اشتداد الظلمة والبرد .
اخذ المنظر يتغير شيأ فشيأ وبدت تلوح من الافق بعض الاضواء الخافتة ثم بدأت تزداد :
- هل وصلنا الى عمان ؟ سأل ابو ابراهيم . 
- نعم اصبحنا على مشارف عمان،  قالها ثم صمت من جديد ، وهي الكلمات الاولى التي ينطق بها ابو ابراهيم منذ خرجوا من اريحا  .
انه الظلام مرة اخرى ، اخذت الشاحنة تشق طريقها  بين شوارع عريضة واخرى ضيقة ووكان يرى بين الحين والاخر بعض المارة يمرون مسرعين بين الشوارع وكأنهم هاربون وبدت ملامح المدينة تظهر تدريجيا رغم الظلام الدامس ، بدأ يرى العمارات العالية والمحلات التجارية وكانت كلها مغلقة رغم ان الوقت كان مبكرا واخيرا نطق ابو ابراهيم .
-هل تعرف الى اين ستذهبوا ؟ 
- انا لا اعرف عمان ، ولكني اعرف ان خالي يقيم هنا ،وذكر له منطقة كان قد سمع والده يذكرها .
- وهل تعرف اين يسكن خالك هذا  ؟ 
- ابدا . 
- اذا كيف يمكنني مساعدتكم  ؟  اسمع سانزلكم هنا ، وستجدون شباب الدفاع المدني الذين سيوصلوكم الى بيت خالك ، لا تقلق .
كيف لا يقلق وقد اصبح في الشارع بصحبة ثلاثة اطفال  لايدري الى اين سيذهبوا او كيف سيتصرفوا  .انزلهم ابو ابراهيم  في وسط المدينة وقد لمح من خلال الظلام وجود بعض الشباب يتحركون بسرعة ولهفة وكانهم يبحثون عن شيء وعرف لاحقا انهم من المتطوعين لمساعدة النازحين -امثالهم - .
هو لا يعرف عمان حقيقةكان  قد زارها  مرتين او ثلاث مرات من قبل وذلك منذ سنوات وطبعا لا يعرف  اي مكان  في المدينة .سمع  ان ثلاث من عماته الست يسكن في هذه المدينة ، وكذلك خالته  وخاله ولكنه لا يعرف اين ، فكيف سيتصرف واين سيذهب مع هؤلاء الاطفال في هذا الظلام المقيت ؟ لقد اصبح الموقف في غاية التعقيد ،  لم يتعود على تحمل  مثل هذه المسؤولية من قبل  واسقط قي يد ه كما يقولون .
ولكن الشباب المتطوعين انقذوه من مخاوفه  فرأى احدهم يقترب منهم وقد بدى عليه الاجهاد والتعب يبدو انه قام باعمال كثيرة اليوم خاصة اذا علمنا ان عشرات الالاف من النازحين قد وصلوا فعلا الى المدينة ، رغم انه لا يرى ازدحانا في هذه المنطقة ويبدو انهم تحولوا الى مناطق اخرى .
- مرحبا ، الى اين انتم ذاهبون ؟ 
- لا اعرف وذكر له  عن خاله  .
- هل تعرف بيته  او على الاقل  المنطقة التي يسكن فيها  ؟ 
- الحقيقة لا اعرف ، انا لا اعرف المدينة ومناطقها .
- لا يهم  سنتدبر الامر لا تقلق ، هل هؤلاء الاطفال اخوتك ؟ 
اومأ برأسه ، واحس بان غصة قد الجمت لسانه فلم يعد يرغب في الحديث ، واحس برغبته بالبكاء ، وقد لاحظ الشاب ذلك فاخذ يربت على كتفه بلطف وحنان . 
- لا تقلق سنجد بيت خالك وستكونون بخير .
احس ببعض الراحة لقوله ذلك وشعر انه صادق  .
ثم نادى على احد الشباب وتحدث اليه ببعض الكلمات لم يفهم  منها شيئأ ثم نادهم تعالوا هذا الشاب سيأخذكم الى المكان  ، اركبوا معه ، سيارة قديمة مهلهلة صوتها يهدر كأنه الرعد ركبوا السيارة لم يتبين شكل السائق بسبب الظلام ولكنه كان شابا  صغيرا . سارت بهم السيارة واخذت تصعد الى الاعلى وكأنها تتسلق جبلا شاهقا وصوتها يزمجر ويرعد وما كان الصعود لينتهي  لا يعلم كم من الوقت استغرق ذلك ولكن اخيرا بدا الصعود يقل تدريجيا حتى توقفت السيارة امام احد البيوت  وقد ساله السائق عن الاسم  فذكره  له  ، فنزل  واختفى في الظلام  وغاب فترة ثم عاد وقال انزلوا لقد وجدنا البيت  . غريب بهذه السرعة الحمد لله على كل حال ، لقد زال بعض همه .


                       =========================

استقبلهم  الخال بحفاوة ولطف كما هو عهده في المرات القليلة التي راه فيها وكذالك فعلت زوجته واخذوا يخففوا عنهم ما استطاعوا واحس ان جانبا من همه قد بدأ يزول شيئا فشيئا وبدأ اخوته يشعرون بالامان وشرح لخاله ما حدث وما كان من امر امه التي لايعرفوا عنها شيئا وما جرى في الوطن .
في الصباح سأل خاله عن مكان اخيه الذي كان يدرس في احدى المدارس المهنية الداخلية فاخبره انه قريب من هنا وانه يستطيع الوصول اليه بسهولة .
وفعلا توجه الى العنوان الذي ذكره الخال وكم كانت دهشته انه لم يجد اي صعوبة تذكر في الوصول اليه وانه اصبح وجها لوجه مع اخيه وبعد ان تعانقا طويلا شرح له ما حصل معهم وكيف وصلوا الى هذه الحال ، اخذ اخوه يخفف عنه ويطمئنه  وان الامور ستكون بخير واخذه الى الداخل حيث عرفه على بعض الاصحاب ، واخذ يشعر بالراحة وتقبل الامر .
كان قد استقر به الحال مع اخيه في السكن الذي كان داخل المدرسة وكان لا يملك اي شيء من المال فزوده اخوه ببعض المال ليتدبر امره 
وبقي اخوته عند الخال لفترة ثم علمت عمته بوجودهم فحضرت واخذت الاولاد الى بيتها وكانت في منتهى اللطف والحنان وقد استقر الاولاد في بيت عمتهم .
ولكن صاحبنا لم يستطيع ان ينسى ما حدث وكان كل يوم يمني نفسه على العودة الى الوطن وباي ثمن وكان قد سمع ان الكثيرين حاولوا التسلل الى هناك الى الوطن  ونجحوا فلماذا لا يحاول ذلك  ، وقد ناقش هذاالامر مع اخيه فاعترض في البداية خوفا عليه ثم وافق عندما شعر باهمية هذا الامر بالنسبة له وزوده بقليل من المال .
وفي صباح  اليوم التالي ودع اخيه ثم مضى الى مغامرة لا يعرف الى اين ستقوده وركب احدى السيارات المتوجهة الى الجسر وهو لا يعرف حتى الى اين سيذهب ، وبعد ان نزل من السيارة توجه مباشرة الى النهر وكان الوقت لا زال مبكرا ولم يعترض طريقه احد  ثم سار ببطء شديد حتى وصل الى  النهر  وكان عليه ان يجتاز ساترا ترابيا للوصول الى الماء ولسوء حظه كان الماء عميقا في هذه المنطقة والمعروف ان الماء يكون خفيفا في الصيف وفي مثل هذا الوقت من السنة ولكن ما يراه الان هو عكس ذلك تماما ورغم ان النهر لم يكن عريضا الا انه يتطلب سباحا وهو لا يجيد السباحة ورغم ذلك فقد نزل  في الماء واحس انه سيغرق واخذ الماء يسحبه الى الامام وشعر في هذه اللحظة بضعفه وانتابه نفس الشعور السابق انه جبان وحاول التغلب على ضعفه وجبنه بان يقطع النهر ولكنه لم يستطع واحس بخوف شديد  ومكث فترة غير قليلة داخل الماء وهو يمني نفسه بان ينجز هذه المهمة دون جدوى واخذ خوفه يزداد  واخيرا قرر ان يلغي المهمة وانه سيحاول  ذلك في المستقبل وخرج من الماء وتسلق الساتر الترابي 
وفجأة سمع اصوات اطلاق نار بشكل كثيف جدا لم يسمعه من قبل في حياته وعندما انتهى من تسلق الساتر الترابي سمع اصوات ضحك عالية ونظر الى مصدر الصوت فرأى جنودا الصهاينة  على مسافة بعيدة منه يضحكون ويطلقون النار بغزارة وعرف في سريرة نفسه انهم يضحكون عليه ويسخرون منه ومرة اخرى شعر بالخوف والجبن معا يا له من موقف .
وقرر انه لا يستطيع ان يقوم بهذا العمل وانه لم يخلق لمثل هذه المغامرة ، وعاد ادراجه ووصل الى المسجد وكان بقربه قناة ماء فاخذ يزيل الاتربة والطين عن ملابسه ومن ثم توضأ  وصلى ثم اخذ يدعوا الله ان يساعده في محنته  ونام تلك الليلة في المسجد ، وفي الصباح عاد الى عمان وقص على اخيه ما حدث معه .


                 ==========================

هذا اليوم يوم فارق في حياته فقد قررمع اخيه واثنين من اصحابه ان يجربوا حظهم في الدخول الى الوطن فانطلقوا منذ الصباح الى الجسر هم الاربعة وكان يحدوهم الامل ان يحققوا هذا الهدف ووصلوا الى الجسر فعلا  والغريب انه ليس نفس المكان الذي يعرفه بل لقد لاحظوا انهم في مقابل بنايات الجيش الصهيوني وانهم لا يبعدون عن مرمى نيرانهم  سوى بضع امتار هل يعقل هذا انه خطير جدا فلو نظر احدهم الى مكانهم لاطلق عليهم النار ولكانوا  في عداد الاموات فقد قتل الكثير من المتسللين قبل اليوم  ولكن يبدوا ان الحظ سيحالفهم واجتازا النهر بسهولة حيث ان الماء لم يكد  يصل حتى الى ركبهم  ما هذا الذي يحدث انه امر غريب فعلا ، وبعد اجتيازهم النهر تشاوروا فيما سيفعلونه في الخطوة التالية هل يستمرون في المسير عبر الحقول ام يخرجون الى الشارع العام وكان على بعد خطوات منهم وهنا  جاء اقتراحه وقد وافق عليه الجميع في ان يتوجهوا بسرعة الى الطريق فقد يحالفهم الحظ ويجدوا سيارة تقلهم  وهذا ما كان فما ان وصلوا الى الطريق حتى جاءت سيارة ركبوها وبعد دقائق قليلة كانوا امام باب المشروع وما ان ترجلوا من السيارة حت حضر احد معارفهم واقلهم بسيارته فكانوا بعد دقائق امام البيت ووجها لوجه مع والدتهم يا للعجب ان رحلتهم لم تستغرق ساعتين منذ خروجهم من عمان .
 كان  اللقاء حميما وخاصة بعد ما عاناه الجميع من مصاعب  خلال  الاسابيع الماضية ، وقد استمعوا الى قصة الوالدة التي استعرضتها امامهم وهي تشبه القصص البوليسية وقد قضت يومين كاملين في رحلتها من بيت لحم الى اريحا وسيرا على الاقدام لقد كانت قصة مؤثرة جدا وخاصة ان والدتهم عانت بعدها من مرض طويل لم تشفى منه الا قريبا . 
استقر بهم الحال في الوطن اكثر من شهرين  ثم كان لا بد من اتخاذ القرار الصعب وهو العودة الى عمان فهو يجب ان يتدبر امره ويجد حامعة او معهد ليكمل دراسته وتخيه يجب ان يعود الى مدرسته فهو في السنة النهائية وليس من المنطق ان يخسر كل شيء ، ولكن ظهرت العقبة الكأداة وهي الام التي رفضت بشكل قاطع ان تتركهم يذهبون بدونها وكانت حجتها ان الاولاد لا يمكن ان يبقوا بعيدا عنها وانها لن تسمح بتشتت العائلة ولا بد من لم الشمل مهما كانت التضحيات  ، اما الوالد فلم يكن له رأي حاسم في هذه المسألة ولو انه كان يفضل البقاء وعدم ترك الوطن ولكن للاسف كانت حجة الولدة اقوى من حججهم جميعا ، ورغم عدم اعتراض الوالد الشديد لهذا القرار الا انه قرر عدم المشاركة فيه وقرر البقاء وحيدا وتمنى السلامة للجميع .
واخيرا نجحت الام في مسعاها وكان اخطر قرار اتخذته العائلة في حياتها بالهجرة الطوعية هذه المرة .
لم يكن يرغب في هذا القرار وكم كان يحز في نفسه ان يشارك فيه ولكن المر ليس بيده فهو لا يستطيع ان يقف في طريق لم شمل العائلة وهو الذي كان وما يزال يدافع عن قيم العائلة ووحدتها فكيف يكون سببا في فرقتها .
                                             

الخميس، 17 نوفمبر، 2011

About this website / حول هذا الموقع


                                          مرحبا بكم في مدونتنا الجديدة  ......
   
  هذه المدونة  مدونة ثقافية تعليمية  عامة  تهتم بكل المشاركين في اي مكان  , تستقي الخبر الصادق , تنشر ما هو   مفيد  ونعتز ..............            
  بكل الاراء , ترحب بكل جديد , تحترم الراي والراي الاخر .                                              

                     هل انتم مهتمون  اذا : هيا بنا  ....  


      اهلا بكم  في بلاد الشام  وفي كل الارض  العربية  ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,


    وتاليا المواقع الخاصة بي وكذلك العنوان البريدي لمن يرغب في التواصل ،
    اهلا وسهلا بالجميع .                                                                                                       
             

   www.nouralhuda.com     نور الهدى   Arabic                                     


   www. noorada111.com    www. 3mdano.com

      Email  daoudalahmad@hotmail.com                                                                                                          

    www. mmmluck .com

                       daoudalahmad22@gmail.com